فِراقُكِ أَوجعني
كالمُعتاد روتينٌ يوميٌ مُمل، أستيقظُ صباحاً وأُرَتِبُ سريري المُبعثر، أحتسي قهوتي وأَخرُجُ إلى العمل، الطريقُ مُزدَحِمٌ جداً اليوم على غيرِ العادة، وضوضاءٌ في كُلِّ مكان، فجأةً ومن دونِ سابِقِ إنذار، توقفت المركباتُ عن المسير في مُنتصفِ الطريق، وبدأتِ الأصواتُ تتعالى من كُلِّ مكان، ويوجدُ مجموعةٌ مِنَ الأَشخاصِ مُتجمهِرونَ في حلقةٍ دائرية، بدأتُ أتسائَلُ في نفسي يا ترى ما الذي حدث!!
كادَ الفضولُ يقتلُني، خرجتُ مِنَ المركبةِ على عجل، وبدأتُ أختلِسُ النَّظرَ شيئاً فشيئاً، يبدو وكأنهُ حادثُ سيرٍ ولكنَّهُ مُرَوِّعٌ جداً، يوجدُ ضحيةٌ مُلقاةٌ على الأرض وكانتِ الدِّماءُ تُغطي جَسدها لِدَرجةِ أنَّ مَلامِحها إختفت تماماً، مَنظرٌ مُريبٌ جِداً تَقشَعِّرُ لهُ الأبدان، حُمِّلَتِ الضَحيَّةُ إلى أقربِ مَشفى لكن، يبدو وَكَأنَّها لفظت أنفاسها وغادرت الحياة، إغرورَقت عينايَّ بالدموعِ من هولِ المنظر، عُدتُ إلى مركبتي وواصلتُ المسير، عندما كِدتُ أن أصِلَ إلى مكانِ العمل وإذا بهاتفي يبدأُ بالرنين، إِنَّهُ صديقي مُحمد، توقفتُ عنِ المسيرِ قليلاً لإِجراءِ مُكالمتي.
مرحباً يا مُحمد..
أهلاً يا عُمر.. لديَّ خبرٌ لك.
خبر!! تفضل، تكلم...
صَمِتَ مُحَمَدٌ لِعدةِ دقائق، ثُمَّ ازدَرَدَ ريقَهُ بِصُعوبةٍ وقال :
أُمُكَ يا عُمر... ساءت حالَتُها كثيراً وَنُقِلَت إلى المشفى، مع العلم أمي كانت مريضةً مرضاً مُزمناً مُنذُ عامٍ تقريباً.
بَدَأَت علاماتُ التَوَتُرِ تظهرُ على ملامِحي، نَطَقتُ بِكَلِماتٍ مُتَلعثِمَةٍ وَشَفَتايَّ ترجُفان، قادِمٌ يا مُحمد، عُدتُ إلى مركبتي وَبدأتُ أسيرُ بِسُرعةٍ فائقةٍ من شِدَةِ التوتر، وصلتُ أخيراً، دخلتُ المشفى وأَعطيتُ المُمَرِضَةَ اسمَ والِدَتي، وَسَألتُها بأَيِّ غُرفةٍ تَقطُن،أخبرتني بِأَنَّها في غُرفةِ رقم ثلاثةٌ وعشرون.
وصلتُ الغُرفةَ طرقتُ البابَ بِهُدوءٍ ودخلت، أمي مُلقاةٌ على السريرِ والأََجهِزَةُ مُحاطَةٌ حولَ جَسَدِها من كُلِّ مكان، أريدُ أن أتحدَثَ معها، ولكِنَّها كانت تتألمُ بِشِدَّةٍ ولم تَستَطِع أَن تَنطِقَ بِبنتِ شَفةٍ، جلستُ بِجانِبِها ومسكتُ يديها، قَبَلتُ جبينَها وأَجهشتُ بالبُكاء، دَخَلَ الطبيبُ إلى الغُرفةِ وطَلَبَ مني الخروجَ لِيَتَفحصَها، خرجتُ بِخطواتٍ مُتَثاقِلَةٍ وكأَنني أمشي على أرضٍ وَعِرَةٍ، جلستُ بِقاعةِ الانتِظارِ وبدأتُ بالتنهُد، أفكارٌ شَتى بدأت تجولُ في رأسي، عقلي تَشَوَّشَ تماماً وبِتُ عاجزاً ليسَ بيدي فِعلُ أيِّ شيء، خرجَ الطبيبُ مِنَ الغُرفَةِ وكانت تبدو عليهِ علاماتُ الارتِباك، سَأَلتُهُ عن حالَتِها، فقال : حالَتُها حَرِجَةٌ جِداً وبحاجَةٍ للدخولِ إلى غُرفةِ العنايةِ الحثيثة، فَرَبَتَ على كتفي وغادر، عُدتُ إلى الغُرفَةِ مرةً أُخرى وجلستُ بِجوارِ والِدَتي، كانت عينايَّ طافِحتانِ بالدموع وقلتُ لها : أُمي، تكلمي أرجوكِ، لا تترُكيني وحيداً، أنا لا شيءَ من دونك، أتوسَلُ إليكِ إنطُقي ولو بِكَلِمَةٍ واحدةٍ حتى، أنا بِحاجةٍ ماسةٍ لِسماعِ صوتك، نَظَرَت إليَّ وعيناها مليئَتانِ بالدموع، ونَطَقت بِكَلِماتٍ مُبعثَرَةٍ، أُحِبُكَ يا بُني، رُسِمَت على شفتايَّ إبتِسامةٌ خفيفةٌ وقلتُ لها : وأنا أُحِبُكِ يا أُمي، تناولتُ مُصحفاً كانَ موجوداً على المكتبِ، وبدأتُ أُرَتِلُ بِخشوعٍ آياتٍ من سورةِ يس.
مرَّ الوقتُ سريعاً، وطلبَ الطبيبُ مني المُغادرةَ لِيُدخِلوا أُمي إلى غُرفةِ العِنايةِ الحثيثة، قبل أن أُغادر قبَّلتُ رأسها وخرجتُ مُتَوكِلاً على الله، أخيراً عُدتُ إلى المنزِلِ بعدَ يومٍ شاقٍ كانت أحداثُهُ قاسِيَّةً جِداً وعصيبة، دخلتُ إلى غُرفتي واستلقيتُ على سريري، بدأتُ أَتَقلَبُ يميناً ويساراً، القلقُ ينهَشُ جسدي، والتفكيرُ لا يُغادِرُ عقلي، الدموعُ بَدَأَت تسيلُ على وجنتايَّ دونَ إذنٍ مني، ساعتانِ مُتواصِلتان وأنا على نفسِ الحال إلى أن غُطُ في نومٍ عميق، في اليومِ التالي أيقَظني صوتُ هاتفي، مُحمد!! الساعةُ السادِسةُ صباحاً لماذا يتكلَّمُ في مِثلِ هذا الوقت؟؟ بَعدَ عِدَةِ دقائق وإِذا بي أُصعَقُ بِخَبَرِ وفاةِ والِدَتي، لم أتمالك نفسي، أجهشتُ بالبُكاءِ وشعرتُ أنَّ الدُنيا بِأسرِها أَظلَمت بوجهي، أقربُ الأشخاصِ إلى قلبي غادَرتني، تركتني وحيداً، خائِفاً، مُشَتتاً، تائِهاً، مهزوماً، حائِراً، ضائِعاً.
حاوَلَ مُحَمَدٌ تهدِئَتي واصطَحبَني معهُ إلى المشفى، عندما وصلتُ إلى هُناك وإذا بكفنٍ أبيضٍ يُغطي جَسَدَ أُمي، إقتَربتُ منها بِبُطئٍ وجسدي يرتجفُ، وعينايَّ طافِحتانِ بالدموع، رَفَعتُ الغِطاءَ الأبيضَ عن وجهِها بِبُطئ، كانَ يُضيئُ وكأنهُ قمرٌ لامِعٌ في وَسَطِ النجوم، قَبَلتُ جبينَها للمَرَّةِ الأخيرةِ وقُلتُ لها : لِقائُنا القادِمُ في الجنَّةِ يا أُمي.
بقلم : رهف بدوان

0 تعليقات