إنضم لنا

مجلة مبادرة ادعم موهبتك

فجعية أم ، بقلم : ملاك الأطرش

 |فجيعةُ أمٍّ|


أحد أيّام تمّوز العام ٢٠٠٦ في لبنان؛ صباحُه يبشِّرُ بالخير، زُرقةُ السّماء تشرحُ خاطرَ كلّ محزونٍ، بعضُ الغيومِ الصّغيرةِ -كما تبدو- تبتسمُ للخلقِ والشّمسُ تلألأت حُسْنًا.

كبارُ السّنِّ تجمّعوا في المقهى لاحتساء القهوة وأنيسهم صوتُ فيروزَ :"ضِحِكْ اللّوزْ وخَلَصْ اللّوز وحبيبي ما لِفي، وِلِع الصّيف ودِبِل الصّيف وحبيبي ما لِفي، حبيبي .. حبيبي .. "،

في السّاحاتِ تنبعثُ رائحة الكعكِ الطّيّبةِ، بائعةُ الوردِ تتخايلُ بشعرِها الطّويلِ المجعّدِ وتبيعُ أملًا مع كلّ زهرةٍ.

الأفرانُ مكتظّةٌ والأصوات مختلطةٌ : "منقوشة زعتر، جبنة، لحم بعجين .."،

تلك بعضُ مشاهدِ المدينة.

أمّا عن القرى فقد خرجَ الرّعيان بالماشيةِ مع ضوءِ الفجرِ، والمزارعون يسارعون إلى حقولهم فهذا موسم الحصاد. النّساء اجتمعنَ على التّنور، تارةً يتبادلونَ الأحاديث وتارةً يغنّون بالصّوتِ الواحدِ.

في بيتٍ يجاورُ النّبع، تجلسُ أمّ علي وزوجها لتناول الفطور ينطربان بلحنٍ شكّلاه خريرُ الماءِ وزقزقةُ العصافيرِ معًا.

تقول المرأة: "قلبي تلوّع لشوفة بنتي، حبيبي يا بو علي ما تنسى تتّصل بعلي وتقلو ما يتأخر ليجيب أختو"

وأردفت: "رح أطبخلها كل الأكلات يلّي بتحبّها، رح طرّزلها فستان وحيّك كنزة صوف"


كانت الفتاة تقيم لدى عمّتها المريضة في قرية قانا للاعتناء بها،

وبعد أن شفيت حان وقت العودة وكان الفؤاد قد نازعها إلى والديها.

قامت توضّبُ أغراضَها وهي تدندنُ، ارتدَت سترتها الحمراء الّتي لطالما أخبرها والدها كم تليقُ مع وجنتيها، سرّحت شعرها واعدةً تلكَ الخصلُ أن تجعلها أمّها أجمل ضفائرَ ما إن تصل إلى حضنها.

(علي يتّصل)

-ألو

-جاهزة يا سنفورتي.

-جاهزة يا عيوني.

-نص ساعة بكون عندك.


بعد الظّهرِ، خلعَت سماءُ قانا ثوبها الأزرق لترتدي آخرًا رماديًّا غامقًا، والضّبابُ خيّمَ المكانَ كأنّه قَدِمَ لانتشالِ جثث الضّحايا.

قد فعلَ العُدوانُ فعلتهُ، وقصفَ القرية.

تلك الصّبيّة الّتي كانت تنتظرُ أخيها في الخارجِ واللّهفةُ تتطايرُ من عينيها تحوّلَتْ إلى أشلاءَ، لا يُعرَفُ لونُ الدّمِ من لونِ السّترةِ،

ذهبت والأشواقِ، قد اعتلت روحُها والدّخانِ.

لم يعرفِ الأخُ إلى أيِّ جحيمٍ وصل، أصابَه هولٌ شديدٌ لفظاعةِ المشهدِ وعمّتهُ تضربُ رأسَها رافعةً صوتَها بالعويلِ.


الشّرطة تحيطُ مسرح المجزرة وعلي يجثو على ركبتيهِ يرجو أن يرى حبيبةَ عينيه. تصله رسالةٌ مضمونها (أي ساعة بتوصلو يا حبيبي؟)

ثم اتّصال -وألف سؤال في رأسه ماذا سيخبر أبيه- 

-ألو

-بابا (وهو يبكي)

-شبك يا عيوني؟ شبو صوتك؟ عم تبكي؟

-راحت أميرتك يا أبو علي، سرقها القصف منّا يا بيّي


انقطع الخطّ ..


لم تعد قدماه تقوى على حمله فأسقطته أرضًا، علا نحيبُ أمّ علي لتجمعَ القرية على صوتها، وقامت تركض من مكانٍ لآخر وتصرخ: "مستحيل، بنتي رح تجي تشوفني، بنتي ما بتتركني .. مستحيل".



بعد يومين، كانوا قد أحضروا ما تبقّى من ابنتهم للدّفن، أمّا الجثّة الحقيقيّةُ فكانت أمّ علي. كان قد انقطع صوتها، جفّتْ دموعها وانطفأت ملامحها، جلست دونَ حركةٍ، دون أيّ ردّة فعلٍ كأنَّ لا روح فيها.

في اليوم التّالي، قامت توضّب المنزل ضاحكةً في وجه المعزّين قائلةً: "أهلا وسهلا، ما بقي إلا توصل ... رح تفرح كتير بس تشوف هاللمة الحلوة."

اغرورقت عيون الجميع بالدّموع وما استطاعوا التّفوّه بكلمة.


جُنَّتْ أم علي، نعم جُنَّتْ. يبدو أنَّ هذا الجنون رحمةٌ على قلبِ ما قوِيَ على النّبضِ دونَ فقيدته.

حتّى اليومَ، ما زالت أمّ علي تستيقظ بنشاطٍ تنهي أعمالها وتجلس بينَ الصّوف تحيكُ الثّيابَ لابنتها وتنتظرُ.

المجزرة لم تكن في قانا؛ المجزرةُ في قلبِ كلِّ أمٍّ فُجِعَتْ بالضَّنا.

                     بقلم : ملاك الأطرش

إرسال تعليق

0 تعليقات