إنضم لنا

مجلة مبادرة ادعم موهبتك

سأدفنك حتى لو لم تكن ميتا ، بقلم : بسملة الزغول

 سأدفنك حتى ولو كنت ميت 


في الخامسة والعشرين من شهر كانون الثاني بعد صلاةِ الفجر، اجلسُ وأنا احملُ الكتاب بيدي وألتفتُ تارة إلى اليمين، وتارة إلى اليسار، واحاول أن اغمض عيني وأنام كالمعتاد.

لكن لم أستطع النوم  من شدة التفكير،فذهبتُ إلى حديقة المنزل وجلست وأنا  احملُ كوبًا من القهوة الدافئة، وأجواء باردة جدًا تعم البلدة،  وأستمع إلى صوت تغريدة العصافير الجميلة التي تعمُ المكان، وقد حان وقت الذهابِ للمنزل؛ لأن الوقت قد تأخر كثيرًا، وقبل ذهابي للمنزل دُهشت بصوت أنين أحدهم وكان الصوت قريبًا مني، وبقيت أبحث عن ذلك الصوت حتى وقع نظري على تلك الفتاة المرتدية ذلك الثوب الصوف الأبيض، المغزول باللون الأسود، و الوشاح الأسود المغطي رأسها بأكمله.

بقيت مدة طويلة وأنا أنظر إليها وأُعجبتُ بمنظرها، وأهمس بداخلي: ما الذي يجعل فتاة في مثل هذه العمر تجلس وحدها في هذا المكان بين الطرقات

بعد كل ذلك التفكير قررت أن أذهب إليها وأعلم ما بها، ذهبت إليها مسرعةً ولكن في لمح البصر ذهبت ولم أعد أراها ذهبت كالطير، وبعد عدة محاولات من البحث عنها، فقدت الأمل بأن ألقاها.

ذهبت إلى المنزل وبقيت أفكر بها حتى جاء اليوم التالي استيقضت وجهزت نفسي كالمعتاد للذهاب إلى العمل ولكن تلك الفتاة لم تغب عن خاطري أبدًا.

أنجزت عملي بأكمله  وتناولت الغداء برفقة الزملاء وبعد ذلك حان وقت الذهاب للمنزل فقد انتهى العمل، وأنا بطريقي لمنزلي سمعت ذلك الصوت وهو يشبه صوت الفتاة الذي سمعته في ذلك اليوم ونظرتُ هنا وهناك حتى وجدت تلك الفتاة واقتربت منها لكن من غير أن أشعرها أنني قريبٌ منها وحاولت أن استجوبها لماذا عندما تراني تهرب ولا تريدني أن اراها، ولكن بقيت تهمس وتقول لماذا تركتني بمفردي وبقيت تكررها .

وبعدها بعد إصرارٍ كبير  اصطحبتها للمنزل وجلبت لها من ملابس شقيقتي (روزان)، وحضرت لها فنجانًا من القهوة وجلسنا سوية، ولكن في كل تلك المدة بقيت تهمس لماذا تركتني بمفردي، وحاولت أن أستجوبها وأعلم ما الذي تقصده لكن لم تقل شيئًا فقررت أن  اصطحبها إلى غرفة شقيقتي الصغيرةِ روزان وجلبت لها غطاء؛ لكي تنام وبعدها كانت في سبات عميق وأنا بقيت أنظر لها وأفكر بالشيء الذي يحصل معها، وأقول بداخلي:

أين عائلتها؟

لماذا تركوها هكذا؟


وبدأت تخطر لي أفكارًا غريبة، من شدة غرابتها لم أستطع النوم وبقيت مستيقظة.

جاء اليوم التالي، وفي الصباح استيقظت الفتاة وحضرت نفسها للذهاب، وطرحت عليها سؤالًا:

 أين ستذهبين؟ وليس لديك أي مكان تلجأي إليه ولكن لم تجب على سؤالي وأصرت أن تذهب، وبعدها تركتها وشأنها وذهبت، لكن الفضول راودني وقررت أن ألحق بها وبقيت بجوراها خطوة بخطوة، وسارت مسافات طويلة جدًا وبقيت أتساءل إلى أين تريد الذهاب يا ترى!!

وفجاة تَوقفتْ، شَعرت أن أحدًا ما خلفها ويلاحق بها فحاولتُ الاختباء ولم ترني، وبعدها أكملت مسيرها حتى توقفت عند كوخ صغير جدًا ذات لونٍ بني تنبعث منهُ رائحةٌ كريهة، نظرت من شِقِّ جانب الكوخ، وعجبت بذلك المنظر، وقلت:

ما هذا !

كانت الفتاة تحمل جثة أحدهم ملطخة بالدماء، ويبدو أنه مر على تلك الجثة أيام، وكانت تبكي الصغيرة على جثة هامدة وتردد:

لما أنتِ نائمة؟

لما أنتِ نائمة؟

استيقظي!

ومن الظاهر أنه لها مدة طويلة فاقدة هذه الحياة،  واقتربت منها وسألتها ما الذي تفعله مع تلك العظام الميتة ولكن لم تجب علي أبدًا .

فقررت بأن أطلب الشرطة ليتعاملوا مع تلك الجثة وبعد مدة قصيرة كانت الشرطة في المكان، وأحاطت به من جميع الاتجاهات والنواحي، واصطحبوا تلك الفتاة إلى المركز ليتم علاجها .


وبعد غياب مدة من الزمن الطويل فقد مر شهران كاملان عن تلك الحادثة، وأنا من ذلك الحين أفكر بها، وراودتني فكرة بأن أبحث عن أي شيء يخص حياتها، وبقيت مدة طويلة أبحث عن ذلك الشيء حتى وجدت أغراضها (حقيبة) وكان لها قفل وحاولت كسره، ولكن قفله كان شديدًا جدًا ولم يفتح وحاولت كسره، وبعد عدة محاولات تم فتحه فوجدت بداخله مجموعةً كبيرةًمن الصور ودفتر كبيرٌ، وبدأت بقراءته وأخذت ما يقارب ثلاث ساعات حتى انتهيت من اكمال قراءته، وعند انتهائي منْ قراءته، اكتشفت أن تلك الفتاة كان لها شقيقة (سيدرا) وكانت ملامحها وعيناها وجسمها وكل شيء طبق الأصل عن شخصيتي، فكانت تشبهني بكل شيء، فدهشت بتلك الصور التي عندما رأيتها وكأنني أرى نفسي، وعرفت السبب وراء الجملة التي كانت تكررها وتقول:

لماذا تركتني بمفردي !

فكانت تعتقد أنني شقيقتها التي فارقت الحياة؛ بسبب ذلك الحادث المروع الذي سلبها منها فبكيت كثيرًا عندما علمت بكل هذا، وقررت أن أزورها وأذهب إليها  من حين إلى آخر في ذلك المركز الذي أصبحت تتعالج فيه وأتفقدها.

                بقلم : بسملة الزغول

إرسال تعليق

0 تعليقات