امرأة منْ رمادِ سَجائر
فِي الطَّاولة الْأَخيرةِ مِنْ النِّسيانِ، تَجلس امْرَأَة بَانت عَلى مَلامِحهَا تَرانِيم الْخذلان، تمسِك بِيدِهَا سيجَارة، تُقبلها بَيْنَ حِينٍ وَآخرَ؛ لِتَترك عَليها بَعْض مَنْ أنوثتها، وَفِي الطَّاوِلَة الْمجاورَة يَجْلِس رَجلٌ يَنظرُ إلَيْهَا بِعينِ الشَّهوَة، وَفِي النَّاحِيةِ الأُخْرَى هُنَاكَ امْرأَةٌ تَتحَدّث بهمس بِمَا لَا يسَّر سَامِعهَا، وَلَكنَّها لَا تُبالِي، هِي غارقة فِي لَمْ شَتاتٌ نفسِهَا، وَهِيَ تَذْكُرُ جيدًا قَوْل طببيها النَّفسِيّ بِأَنَّ كُلَّ عُلَب السجائر لَن تواسي فؤادها المهشم، وَلَكِنَّهَا أَيضًا لَا تُبَالي، تُؤَدّ أَن تنفث الْكَثِيرِ مِنْ الذِّكريَات العالقة فِي ثَنَايَا ضلوعها وَلَكِنْ مِنْ غَير جَدوى، فالرماد الْمُحْتَرِق قَدْ نَامَ تَحْت جَفْنَيْهَا، تَرَاهَا تَارَة تبتسم بخيبة وَأُخْرَى ويكأن الْجَحِيم اِشْتَعَل فِي عَيْنيهَا، كُلّ الْوُجُودِ مِنْ حَوْلِهَا عَدَم، هي تائهة فِي دَوَامَة أَفْكَارِها، تَتَّسِع فيبان طَيْف الْحَيَاةِ ثُمَّ مَا تَلبَث بِأَن تَضِيق فيبان اللَّوْن الرَّمَادِيّ، حَيْث المنفى وَالْأَحْلَام الْمُعَلَّقَة فَوْق الصَّلِيب الْمُلَطَّخ بِدِمَاء قِدِّيس الرَّمَاد، قد تدركُ فيما بعد عِندمَا تَكتمِل سجائرها وتمتلىء رئتاها بِالسُّمّ الْأَسْوَد بِأَن الِاحْتِرَاق لَمْ يَكُنْ إلَّا فِي قَلبهَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ اجتمعَ ليجرها نَحْوُ الْهَلاكِ، وَإِن الْمَقبرَةِ كَانتْ فِي أحلامها فَقط، وَلَا تمَّت جَدوى مِن إحْرَاق الْمَزيدَ مِنْ السجائر.
هبة عاطف المطور

0 تعليقات