*نفَسٌ أَخِير*
أُردِيَ نَدِيمَ رُوحِهِ قتِيلًا فِي حجرِه، وتناثَرَت كُتَلُ الدَّمِّ عَلى وَجهِه كَأنَّها أَجسَادُ قَتلى لِمَعركةٍ غير عَادلة، وجرَى نَهرٌ قانٍ صَبَّ في أَكواعِه، وصَارَ قمِيصَه الأبيض كما مسرَح الجريمة.
كانَت عَينَاه قَدِ استحجَرَت، تاللهِ إنِّي خِلتُها حَجَرًا، كانتِ القيَامة قد قامَت فيهما وراحت جُفونَه تَشتَعِلُ كما سَقَر.
أخذ الرِّفاق يحملون جثَّة أَخِيهِ وقَد خِيلَ لِي أَنَّهم بِذلكم ينتَزِعونَ روحَه، لكنَّ عُثمان لَا يَزالُ واجِمًا، في حالةِ إِنكار رُبَّما.
تقدَّم أَحدُ رِفاقِه بتردُّد قائلًا بصوتٍ مُرتجِف: عُثمان، أتسمعني!
لا ذنبَ لكَ يا أخي، كان قد حان موعِدُ قبض روحِهِ، ليرحمه الله وليتغمَّده في رَحمَتِه.
نَظَر لَهُ كليثٍ لا تفصِله ثوانٍ عن مهاجمتِه لفريستِه، رأيت الجَزَع في عينيِّ صاحِبه فراح يرجِع للوَراء، نظَر عُثمانٌ لِكُلِّنا لكِنَّه حتمًا لمَ يرَنَا، ضمَّ قدَميهِ إِلى صَدْرِهِ مُحتَجِبًا، ثمَّ بَسَطَ كَفَّيه وأَفرَدَ أَصابِعَهُ ضاغِطًا على جانِبَيِّ وجهه وراح ينتحِب، وراح ينشُجُ، وراحت أَوتَار قلبِهِ تنَخَلعُ وتَرًا تِلوَ صاحبه.
عاد ينظُرُ في الوجوهِ باحِثًا عن وَجهٍ واحد، لكِنَّهُ كانَ قَد رَحَل، وعلى حيْنِ غرَّةٍ فاجأتنا يدَاه معلِنةً تَمرُّدها، أَخذَت تَروحُ هنَا وهُناك، ما كَان لِكُلِّ قيودِ الكون أن تحكُمها، ظلَّ ينشُجُ ما صَمَت، كلّ حروفِ الفجع خرَجت من جَوفِه لكنَّها ما بَرحَت إلا وقد تناثَرت فَما كانَ لها إلَا أن تشكِّل صرخات هدَّت أكتاف كلّ من سَمِعَها.
كُلّ المنزِلِ صرخ لفرطِ ما نَحَب، ودَّ الجدار أن يأخذ قميص عُثمان ويمسحُ بِهِ فيضانَ دموعِه، الأرضُ اهتزَّت قائلة: ما أحتمل، أعيروني صوتًا يا بشر.
كُلُّ صنابير المنزل صبَّت دموعها الحارّة، ثارَ الهواءُ مُكذِّبًا فراح يركض في البيت يفتح الأبواب ويغلقها في غَضَب، اهتزَّت أكتافُ الأرض فمَا عاد فوقها مِن قائِم، حتَّى سريره ارتجف، اختبأ تحت غطائه وبكى، راحت عَبَرات السُّحب تضرُب الأرض بِلطماتٍ غير منقطعة.
أشعلت صرَخاته المتواصلة كل كربٍ عشناه، فلم نقوى احتمالًا، حتى جيران الحيِّ ما احتملوا، وراحت تهتزُّ أكتاف الأصدقاء.
أقسم برب المُعجزات إنَّه لشدَّة صراخه كنت أوجل أن يخرج قلبه من فمه طالبًا الرحمة، وما عادت مقلتيه تتسع لبحر دموعه فقالت لنفسها لو تنتفض.
رحتُ مرتعبةً أرتجي كأس ماء أن يظهر أمامي فأمسكني مقبض الباب هلعًا يسألني أهو بخير ؟
لم أستطع جوابًا
حين عدت كان عثمان قد نسي أن يتنفَّس، لم يخرج قلبه من فمه، خرجت روحه، وخرج من بيتنا جنازتان في يوم واحد وتحت سقف واحد.
بيان دعَّاس


0 تعليقات