إنضم لنا

مجلة مبادرة ادعم موهبتك

خيبة العمر ، بقلم : رغد فارس

 خيبةُ العمر

تُذَكَّرُني هذه الأيام المُمطِرة، و الطّقس الشَّاجِن، و الأوراق المتساقطة، و صوت الرّعد المفزع،  بالذكريات المؤلمة.

جلستُ على سريري و بيدي ألبوم الصور، أنظرُ و أتحسر، أتساءل لما حدثَ بيننا هذا؟ التقطتُ آخرَ صورةٍ جمعتنا سويًّا...

في مثلِ هذه الأيام قبل عامين، غلبني الإشتياق؛ فقمتُ بإرسالِ لقيس "مرحبا" و أقصدُ بها أنني مشتاقة، بعد دقائق ردّ ب " أهلاً "،أنتظرتُ قليلاً لعلّه يسأل عن حالي، ولكنّه لم يفعل، غَمرت الأمواجُ عيناي، ما زال بهذا البرود ولم يتغيّر، يا لهُ من شخصٍ جبّار،

-كيف حالُك؟

=بخير، وأنتِ؟

تمنيتُ أن أخبره عن حالي، وأن الشّوق يكادُ يقتلني

-بخير

=إن كان يوجد شيء مهم فتحدّثي بسرعة، لأني مشغول

يا ليتني أخبرهُ أنني بحاجته، ولا أريد أن يذهب

-لا، لا يوجد شيء

=حسناً، سلام

-سلام

رميتُ الهاتف و أخذتُ أذرفُ الدموع، أتساءل إلى متى سنبقى ننتظر يا قلبي؟ هل سأبقى على الألم و الحب من طرف واحد؟ إلى متى سأصبر؟ بكيت حتى تبللت وسادتي، و غفيتُ و الدموع على خديّ المحمَر.

في اليوم التالي، استيقظتُ على صوت هاتفي يرن، كان المتصل قيس، هل أنا في حلم! لا شكّ أنه موضوع مهم، ماذا يريد يا ترى؟!

قال أنه يريد رؤيتي في المطعم المجاور، استجبتُ لهذه الدعوة، وقمت لأجهز نفسي. أرتديتُ فستاني الأسود الطويل ذو الحزام الأحمر، و الحقيبة الحمراء، و الطاقية و الحذاء الأسودان، كان يحبُّ هذه الألوان عليّ، قليلاً من أحمر الشفاه و العطر.

وأفكّر عمّا سيقوله، ترى هل سيقول أنه يريد أن نرجع معًا، و سيعترف لي بحبه، وعدم مقدرته على الفراق، وأن الشوق غلبه؟

احمرَّ وجهي، و ازدادت نبضاتُ قلبي، يا له من يومٍ جميل، لقد أستجاب اللهُ لأدعيتي.

وصلت وجلستُ مقابله

=كيف حالك؟

-بخير وانت؟

=بخير

شعرتُ بالخجل و خفضتُ رأسي، هيا تكلم أرجوك، أخبرني أنك تحبني، دع يداي تحتضن يداك الباردتين

=أردتُ أن أخبركِ بشيء مهم

-حسناً، أسمعك

=لقد وجدتُ شريكتَ حياتي، و سأتقدمُ لطلبِ يدها نهاية الأسبوع

ابتسمتُ ابتسامةٍ عريضة، أيقصدُني فعلاً؟ يا لحظي الجميل، لا أحد يشعرُ بكميةِ السعادة التي أنا فيها الآن. وبعد ذلك تلاشى كل شي، حين أتمّ جملته

=لذلك لا أريدك أن ترسلي إليّ مجدداً، سأقومُ بتغير رقم هاتفي، وأتمنى لكِ حياةً سعيدة، وأن تجدي شريكاً لحياتك مثلما وجدت.

ذهب و تركَ خلفه الحُطام، إرتجف جسدي و أخدت عيوني تمطر، عدتُ إلى البيتِ بخيبة، أكادُ أختنق..

بعدَ مرورِ شهرين، وكلُ يومٍ حالتي تزدادُ سوءاً، رنّ هاتفي، رقمٌ غريب، حينما قمتُ بالرد، كان صوته، يعزمني على حفل زفافه؟ يا لهذا الخبث، و يناديني ب صديقتي، يا له من شخصٍ حقير، لا يكترث بمشاعر الآخرين، يسعى إلى كسري.

بعد تفكيرٍ طويل، وافقت على الذهاب، لأثبت له أنني لستُ حزينة وما زلتُ قوية، و لأتحدى نفسي و أكرهه.

وفي هذا اليوم المشؤوم، و قلبي يتقطع إلى أشلاء، قمتُ و تزينتُ، أخفيتُ ملامحَ الحزن و الهالات السوداء بمساحيق التجميل، كنتُ أشعرُ بشوكةٍ مغروسة في صدري.

وصلتُ إلى حفل الزفاف، كان سعيداً جداً، يرتدي البدلة السوداء التي طالما حلمت أن يرتديها لأجلي. جلستُ أنتظر خروج العروس، لأرى من هذه التي استطاعت أن تسرقه مني، و تحتلّ مكاني.

هذا الوجه مألوفٌ علي، اوه! لا أصدق! صديقتي القديمة؟

خيبة قاتلة أخرى، نعم كانت سارة، صديقتي  في الجامعة، هي التي أصبحت زوجته، زوجةُ حبيبي، التي طالما حدّثتُها عنه، كيف فعلت بي هذا، كيف استطاعت غدر صديقتها بهذه الطريقة الموجعة، يا لها من ظالمة.

ركضتُ إلى (التواليت)، غرقتُ بالبكاء، حتى ظهرت ملامحُ التعب و الحزن التي أخفيتها، إنني أحترق.

غادرتُ قاعة الأفراح و أنا في صدمة، لم أكترث إلى السيارات، حتى صدمتني سيارة مسرعة، و دخلتُ في العناية المركزة.

حين فتحتُ عيناي، كان قيس بجانبي، أخذ يبكي و يطلب مني أن أسامحه، بكيتُ أيضاً، و قلتُ له أن يبقى بعيدًا عني، لا أريد رؤيةُ وجهه ولا حتى سماعُ أخباره، فذهب.

ها مضى عامين على هذه الحادثة الموجعة، ولكن قلبي أصبح بارد، لا يبالي.

أتممتُ دراستي الجامعيّة، و تخرجت، وبدأتُ بالعمل في مدرسةٍ للإناث، وها أنا معلمةُ إبنته إيلين.



بقلم : رغد فارس 

إرسال تعليق

0 تعليقات