«سُويعات»
يزيد هنا اسمي، هنا هُويتي، هنا أنا .. هنا سطرّتُ حكاية بلاء لطيف سكن في جوفي، في أدق بقعة في رأسي، بين خلايا دماغي، بين عالمي الذي هُدّد بالتلاشي، إنّه هنا يا أمي قد بنى بيتًا له واستقرّ فيه، يلامس قدميّ فيمنعهما عن المشي، يلامس كلي ليجعلني طريح الفراش .. ما إن قفزتُ من بطنكِ أصرخ، إلّا وبعد عام وجدتكِ أنتِ من تصرخين، أنتِ من تذرفين دمًا قلقة لشأني، لشأن فلذة كبدكِ، لشأن طفلكِ المدلل، لكن.. ما في اليد حيلة يا حيلتي، أراكِ ناكسة البصر، مصفرّة المحيا، قد خطّ على جبينك وارتأيتهُ حينها بأنّني سأغادركِ، سأغادر أبًا بات مقعدًا، فقد انقلب ليله ليل، ونهاره ليل، يرجو الموت إن كان هو السبيل لإطفاء ما بداخله من صدمة، بل من خيبة أمل تلقاها ممن حوله، من كادر طبيّ حطّمه باليأس، من قريب هنا وآخر هناك، من عالم مظلم يفعل كل ما بوسعه ليطمس تلك الشمعة الكائنة في جوفكما، ليطمس حلم شفائي، حلم المرور بقسم الأورام دون الدخول إلى باحته، حلم النظر إلى الإشعاع عن بعد دون وضعه، حلم حياة تخلو من الحقن، من عقار فلاني وآخر.. من ضياع جعلني وأسرتي كالأسرى تمامًا لا نجد للهروب منفذًا وإن فعلنا كل ما بوسعنا، لنقطع القيود التي كبلت أذرعنا، لننتزعها كما نزعوا أرواحنا منّا، لنجتثّها كما تجتثُّ الأوطان .. لم أعي بأنّ كل شيء خارج أحشائك مخيف، كنت أظنّ أن بعد بضعة أشهر سأنيرُ لكِ عالمًا كنت قد أعددته لكِ وأنا أسكنُ داخلكِ، لم يكن بوسعي حينها إلّا أن أطلب السكاكر التي لولاها لما تغمس قدري حلاوة، لَما أنار كالشمس التي تسطع على محياي كل صباح ملقية تحية حب، وإجلال على من صارع شبحًا لا يقدر أحد على مصارعته، لا يقدر أيا منّا أن يقف برفقته في حلبة صراع وينتصر، لكنّني كنتُ أقوى من بضعة خلايا، أقوى من أنسجة أنبتت جذورها داخلي.. لم يكن بوسعي حينها إلّا أن أخطّ أرجلي على متن السيارة التي لا أعي لونها، لأنّني حينها كنتُ أرى حتى الماء سوداويّ، والشمس سوداويّة، أو ربما الخطب في أعيني، لا أدري! أرصفة مترامية هنا، وهناك، أناس يسيرون حياة لم أعيش تفاصيلها بعد، فمنهم من يضع حقيبته المدرسية على ظهره متجهًا نحو بيته الثاني، ومنهم من يحتضن مستقبلًا مجهولًا، وآخر يزّف إلى محبوبته، أما هناك في مفترق الطريق طفل قد شيّعت جنازته منذ قليل ..
كل منهم يعيش لحظته، كل منهم يحمل على كتفه حلمًا بات يغفو ليالي على تحقيقه، منهم من استطاع، ومنهم من وقفت الحياة له بالمرصاد، معلنة انتهاء حلمه، بل أجله إلى حياة أخرى، إلى كوكب آخر .. ينتابني شعور الندم حينما التفتُ إلى جنتي وأراها قد غرقت، وثيابها بماء الحسرة، وأب لا يفعل شيئًا سوى أنّه يحتفظ بملامحي، ومحياي، ويداي، كلي، أجل كلي، وكأنّني ذاهب بلا عودة! ليت كان بوسعي أن آخذ مفتاحًا تغريبيًا فلسطينيًا كما فعلتم في الأيام الخوالي، ليت كان بوسعي أن أعلق خوفكما بأداة من فرج.
ها قد جاء وقت رقدي على سرير قد فُرش باللؤلؤ المنثور، معطف أبيض يأويني، وحمامات سلام ترفرف حولي ذارفة على محياي الياسمين الأبيض، كل شيء حولي تحوّل لوهنة للأبيض، وهذا ما كان يخفيني.. أصابع تلوّح خلف جدار الغرفة، وآيات قد أحاطتني طيلة مكوثي مع أسرَتي الجديدة، سُويعات مضت وخرج من قلب الغرفة طبيب يمهّد لعائلتي أن الشفاء ممكن، كما أن العاهة المستديمة ممكنة، هنا .. كانت الصاعقة، كانوا يتوهمون أنّني لا أسمعهم، لكنّني كنت أحسّ حينها بأن حتى وقع الإبرة مزعج، ومؤذي، فما بالي إذًا بأصوات الصُراخ، والنواح ..وقع إلاهي قد أحاطني، سماء فُتحت من أجلي، أرض توردّت بالرحمة، وشمس ألقت شعاعها على روحي، وتفتحت عيناي حينها في أبهى صورة، شممتُ رائحة الياسمين، تذوقتُ سكرّة القدر، لوّحت بيدي، وضربتُ بأرجلي.. جميع من حولي كانوا بلحظة هلع، كتلك التي كانت حينما تلقوا نائبة أنّ أيامي معدودة على هذا الكوكب، أجل.. خال لي اللحظة الأولى التي سأعيشها بعد شفائي، الصباح الأول الذي سأقضيه دون تجرّع عيارًا كيمياويًا قد مزّق أوردتي، رائحة الصباح.. لون البهجة في عيون أمي أمام مرآة عاكسة، رُسمت على وجهي، ونقشت على جبيني.. تذوقتُ طعم الفرح عندما قبضتُ في راحة يدي على جذوره، من أجله حاربت .. ومن أجله سأحارب
0 تعليقات